وقع الروائي جمال ناجي في مكتبة المؤرخ سليمان الموسى بمركز الحسين الثقافي أول أمس، الطبعة الثانية من روايته "عندما تشيخ الذئاب"، في حفل نظمته دائرة البرامج الثقافية في أمانة عمان الكبرى، شارك فيه الناقد محمد عبد القادر، وأدارها الشاعر والمترجم د.فايز صياغ.
وفي معرض حديثه عن الرواية التي تمَّ ترشيحها ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العالمية في نسختها العربية، قال ناجي إنه عندما بدأ في كتابة "عندما تشيخ الذئاب" لم تكن الأفكار أو الأحداث واضحة لديه، ولكن كان ثمة "تشكل لسحابة غامضة في مخيلتي، سحابة ملآى بأتربة وغبار الأفكار والذكريات، وكان علي أن استمطرها قبل أن تنقشع"، مشيرا إلى أنه بادر إلى "تدوين ما ترسب في مخيلتي وما استحضرته ذاكرتي حينئذ".
وأشار ناجي، في الحفل الذي حضره نائب مدير المدينة للشؤون الثقافية والرياضية والاجتماعية هيثم جوينات ومجموعة من أصدقاء ناجي، إلى أن المدينة هي "ساحة صراع صامت أو صاخب، ليس بين الشخوص فحسب، وإنما بين النخب المتنفذة وبين القيعان المحكومة"، مبينا أن الذئاب كانت "تتحرك في الشوارع والحواري وكأنما تملك كل شيء، والقانون كان ينظم الصراع ويقنن الصداع".
وأكد ناجي أن المدينة تفرض شروطها على الشخصيات، منوها إلى أن المدينة "ليست مجرد البيوت والشوارع والبنايات والمصانع"، ولكن هي "البني الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية التي تشكل الوجه الأبرز للتفاعلات المدينية"، إضافة إلى أنها تحاول أن "تتجاوز الجغرافيا من خلال الروائي"، لرأيه أن المدينة تطالبه دوما بالحديث عنها وبوضع بصماتها على الخريطة الكونية، فيما وراء الحدود، ومثلما تحاول الشخصيات أن تحقق ذاتها بهذه الطريقة، أو تلك، فإن المدينة تريد أن تحقق حضورا عابرا للحدود، وخارج نطاق الجغرافيا المحلية.
وأشار إلى وجود كثافة نفسية وراء سلوك الأفراد، ووراء التحولات الجمعية التي ظهرت في الرواية بأشكال مختلفة، وتشكلت هذه الكثافة في سياق نمو العلاقة بين الشخصيات.
وخلص ناجي، إلى أن الذئاب كلما "شاخت تزداد شراسة"، كأنها تريد أن "تخرب الدنيا قبل انتهاء شوطها مع الحياة"، وهذا يغذي إحساسها بأنها هي مركز الكون، وأن الكون ينتهي بنهايتها.
الناقد د. محمد عبد القادر قدم إضاءة حول حيثيات وأجواء رواية ناجي التي قال إنه عندما قرأها "شعرت أنني وقعت في مصيدة"، فالروائي يطارد ذئابا وينصب لقارئه شراكا عديدة، مبينا أنه سرعان ما أدرك أنه أمام رواية تنشب أظافرها في العقل والخيال فلا يستطيع المتلقي إلا أن يذعن لجاذبيتها وجمالياتها.
ورأى عبد القادر، أن ناجي "نسج عالماً من صور وممارسات لذئاب بشرية في حبكة فنية خيالية وثيقة الصلة بالواقع"، مشيرا إلى أن الرواية تكشف عن وجود "ثعلب"، هو كاتب الرواية.
كما أنها تنطوي، بحسب عبد القادر، على "مكر روائي مدهش من شأنه أن يجعل القراء يركزون اهتمامهم على ظاهر البناء الفني، وشخصياتها، ومضامينها"، لافتا إلى أنه يوجد في ثنايا هذا العمل "بنية فنية تحتية شيدت بدهاء فني دقيق".
ورأى عبد القادر أن القارئ عندما يقرأ الرواية فإنه يلعب دوراً رئيساً في تفكيك العديد من المشاهد والعبارات، وإثارة أسئلة مشروعة ذات صلة بأحداث الرواية وتماسكها وبنائها وتطورها ومغزاها، وتقدير احتمالات من حقه أن يرجح فيها خياراً على آخر، ممارساً حقه في الاجتهاد المستند إلى شواهد نصية، وربط عقلاني للعلاقات بين الشخصيات والتطورات.
وقال عبد القادر إن "الرواية تخلو من البطولة والأبطال"، فـ"الفساد والمفسدون هم الذين يحتلون المساحة الكبرى من المشهد الروائي برمته"، ويعتبر أن سندس هي "بطل تراجيدي" تميّز بالصدق والجرأة وقوة الإرادة والتحدي.
وأشار، إلى الطاقة "الليبيدو" القوية التي تفيض على جسد سندس، يمكن أن "تغدو ميزة إضافية لها، لكن إحساسها بالأنوثة الطاغية ولّد في نفسها ثغرتها المأساوية" ما جعلها تبالغ في اعتدادها بالنفس، وفي ثقتها بقوة الجاذبية الجسدية، وبقدرتها على تحقيق ما تريد.
بيد أن سندس، بحسب عبد القادر، هي "الشخصية المحورية الأبرز على الصعيد الفني في الرواية". رغم أن القيمة الأساس للجنزير نابعة من كونه أخطبوطاً يلعب أدواراً "دينية" واجتماعية واقتصادية وسياسية، مستفيداً من مهاراته في فنون التأثير والتدجيل والتدليس، وفيما يقف عزمي بمثابة لغز محير تائه.
ورأى أن سندس تبقى الشخصية الفنية التي تمثل جذع الرواية وحاملها الفني، والمحرك لكثير من أحداثها، والكاشف للمستور في نفوس شخصياتها، ومفجّر السر المدمر، فيها تتبدى ملامح بطولة، وإن كانت أقرب إلى سمات البطل التراجيدي الذي بالغ في تقدير قوته، فحال "عقب أخيله" دون بلوغه أحلامه في حياة مستقرة هانئة.
وقال إن ناجي كتب الرواية بكثير من الجرأة النقدية للمجتمع التي لا يضاهيها سوى دهائه الفني ومكره الروائي، لرأيه أن المشاهد والتفاصيل أسهمت في "تعميق الرؤيا لمدى الزيف المتغلغل في المجتمع، وهشاشة ما يطفو على السطح، وبؤس المظاهر الخادعة والمخادعة".
ولم يعتقد عبد القادر أن شخصية واحدة من شخصيات الرواية تعبر عن "موقف" كاتبها، رائيا أنه أمر لا مبرر له في الأصل، مبينا أن الرواية تقدم رؤيا، يظهرها سلوك الشخصيات جميعاً حتى وإن بدا بعضها ثانوياً.
وذهب عبد القادر إلى أن الشخصية المحورية في الرواية "سندس"، تمثل محركاً أساساًً في الرواية، وشخصية ذات أبعاد مركبة، كما كانت الأكثر صدقاً وشجاعة في مجتمع يفتقر إلى هذه القيم افتقاراً شديداً.
وخلص إلى أن رواية "عندما تشيخ الذئاب" هي "رواية جريئة وممتعة ومفيدة، ومثيرة لقوى العقل في التحليل والتركيب"، كما أنها قادرة على أن تتبوأ مكانتها اللائقة في مضمار الرواية العربية الجديدة، ولعلّ الأسابيع المقبلة تحمل في ثناياها أنباءً مفرحة.
د. فايز صياغ استهل الحفل بالإشارة إلى أن رواية ناجي هي من الأعمال الروائية القليلة في الساحة الأدبية الأردنية والعربية، التي يصدق عليها مفهوم ميخائيل باختين عن العمل الروائي بوصفه خليطا من الأصوات المتعددة، في سياق الزمكاني محدد.
وأضاف الصياغ أن كل شخصية من شخصيات الرواية لها صوتها الخاص بها ولها حياتها الكاملة داخل النص، وهي مرتبطة بالشخصيات الأخرى داخل الرواية بشبكة من العلاقات التفاعلية، المباشرة وغير المباشرة، والمرئية وغير المرئية. ولا يطغى فيها صوت الكاتب على هذه الأصوات، ولا تتسرب فيها رؤى الكاتب عبر الراوي لتؤثر على بناء تلك الشخصيات.
واستعرض صياغ مجموعة من الأصوات والشخصيات التي تتضمنها الرواية، مؤكدا أن هذه الشخصيات أصوات متعددة لمجتمع واحد لا صوتا واحدا لمجتمع متعدد. مجتمع واحد هو "أنت، وأنا، وهي، وهم، وهن"، وأولئك البشر في ذلك الإطار الزمكاني الذي يتعدى حدود عمان الآن، إلى ما هو أبعد من ذلك".